أخاف من العلامات التجارية التي وُلدت من الضوء البارد للشاشات، وتعيش بين المنشورات والتعليقات، ثم تموت بصمت حين تخفت خوارزمياتها.
أخاف من تلك التي تتنفس فلاتر، وتتحدث بلغة الإعلانات، وتتغذّى على إعجاباتٍ لا روح فيها.
صار خداع الناس أسهل من أيّ وقت مضى.
تكفي صورة متقنة، أو جملة تسويقية محبوكة، أو لون ذهبي يوحي بالفخامة، حتى يظنّ الناس أن خلفها قيمة حقيقية.
لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من هذه "البراندات" ليست أكثر من وهمٍ متقن الإخراج—سطح لامع يخفي خواءً عميقًا.
لقد جعل العالم الافتراضي “الوجود” قابلًا للتصميم.
أصبح بإمكان أي شخص أن يخلق لنفسه هوية رقمية من العدم، يشتري متابعين، ويصنع انطباعًا زائفًا عن النجاح.
لكن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بلمعان الصور، بل بعمق الأثر الذي تتركه في الواقع.
إن للوجود الافتراضي قيمة، نعم، ولكن فقط حين يكون امتدادًا لوجودٍ حقيقيٍّ في العالم الملموس.
حين تكون خلف الشاشة نية صادقة، ورسالة تحمل معنى، ومبادئ لا تتبدّل بتبدّل الترندات.
لست أكره وسائل التواصل، فهي أداة قوية للتعبير والفرص،
لكن خوفي أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول أن نبدو مثاليين فيها،
أن نصبح نحن العلامة التجارية، ونقيس قيمتنا بعدد الإعجابات، لا بما نحمله من فكرٍ أو ضمير.
أحيانًا أسأل نفسي:
هل نحن من نملك البراند، أم البراند هو من بدأ يملكنا؟
لعلّ ما نحتاجه ليس أن نهرب من العالم الافتراضي، بل أن نعيد تشكيل علاقتنا به.
أن نتذكّر أنّ "العلامة" لا تصنع الإنسان، بل الإنسان هو من يمنحها المعنى.
أن نستخدم المنصّات لا كمرآة نُجمّل بها أنفسنا، بل كجسرٍ نصل به إلى الآخرين بصدقٍ ووعي.
فلنزرع أثرًا لا يُمحى بانقطاع الإنترنت، ولنصنع وجودًا لا ينتهي بانتهاء التفاعل.
فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد من رأونا،
بل بكمّ من لمسنا قلوبهم دون أن نزيّف وجوهنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق